ابن قيم الجوزية

41

الوابل الصيب من الكلم الطيب

وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره ، قال تعالى : { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً } . فإذا أراد العبد أن يفتدي برجل فلينظر : هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين ؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي . فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة كان أمره فرطاً . ومعنى الفرط قد فسر بالتضييع ، أي أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به وبه رشده وفلاحه ضائع قد فرط فيه ، وفسر بالاسراف أي قد أفرط ، وفسر بالإهلاك ، وفسر بالخلاف للحق . وكلها أقوال متقاربة ، والمقصود أن الله سبحانه وتعالى نهى عن طاعة من جمع هذه الصفات ، فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه فإن وجده كذلك فليبعد منه . وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى عز وجل واتباع السنة وأمره غير مفروط عليه بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه ، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالذكر ، فمثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت . وفي المسند مرفوعاً « أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال مجنون » . وفي الذكر أكثر من مائة فائدة : ( إحداها ) أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره . ( الثانية ) أنه يرضي الرحمن عز وجل . ( الثالثة ) أنه يزيل الهم والغم عن القلب . ( الرابعة ) أنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط . ( الخامسة ) أنه يقوى القلب والبدن . ( السادسة ) أنه ينور الوجه والقلب . ( السابعة ) أنه يجلب الرزق . ( الثامنة ) أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة . ( التاسعة ) أنه يورثه المحبة التي هي روح الإسلام وقطب رحى الدين ومدار السعادة